عبد الملك الجويني

344

الشامل في أصول الدين

الحقيقي . فهذه جمل تقع في الرد على هؤلاء ، فحذفنا منها بعض ما بسطه القاضي ، وزدنا على المعاني من سائر كلامه وكلام غيره . وأما القائلون بالظهور ، والمتمثلون بما يظهر على الأجسام الصقيلة ، فيبعدون عن التحصيل . وذلك أنا نقول لهم : أرباب العقول ، فيما نرى ، عند مقابلتهم الأجسام الصقيلة ، على ثلاثة مذاهب . فالذي نرتضيه : أن الناظر في الجسم الصقيل ، إنما يرى نفسه على مجرى العادة ، ولم يحدث في المرآة أمر لم يكن . وصار المعتزلة إلى قريب من ذلك ، غير أنهم زعموا : أن الرائي يرى نفسه بانعكاس الأشعة إلى مبعثها من ناظر العين ، على ما سنبسط القول في ذلك في الإدراكات إن شاء اللّه . ولم يصر واحد من القسس إلى تغير المرآة ، وتبدل صفتها ، بل أجمعوا على أنها على ما كانت عليه . إنما الرائي رأى ما لم يكن رآه قبل . فإن جريتم على هذا القياس ، فاحكموا بأن المسيح ، مع ظهور الكلمة عليه ، كهو إذ [ ا ] « 1 » لم تظهر عليه . وصار صائرون من المائلين إلى الطبع والفلسفة إلى أن ما يقابل الصقيل ، منطبع . فتصور بما لا يكترث هؤلاء ، بأن يقولوا : وجد في المرآة ما لم يكن . فإن أنتم سلكتم هذه الطريقة فقد عدتم إلى مذهب إخوانكم ، وحكمتم بحلول الكلمة في ذات المسيح ، فلم يستقر لهؤلاء مذهب . ثم لو كان ما قالوه ظهورا محضا ، من غير اتصاف المسيح به ، فينبغي أن لا يثبت للمسيح صفة الإلهية على مقتضى أصلهم . وهم مجمعون على أن المسيح إله ، ونحن نعلم أن المرآة ، إذا ظهر عليها على زعمكم إنسان ، لا يصير إنسانا . فكيف كان المسيح إلها مخترعا ، محييا ، مميتا ، ومعلوم أن المرآة لا تكتسب حكما من أحكام ما ظهر عليها ؟ فاضمحل أصلهم وتلاشى . ثم لو كانت الكلمة بالظهور أولى من الروح ، أو الأب ، أو الجوهر نفسه ؟ فلا يجدون في ذلك فصلا . والرد على المتمثلين بالطابع والخاتم يضاهي الرد على هؤلاء . على أنه لا يظهر في الشمع خدش الطابع ، ونقش الخاتم أبدا ، بل إن كان نقش الطابع حروفا ثابتة ورسوما ناشزة « 2 » ، فإذا تحامل بها المتحامل على الشمع ، غاص ما نشز من الخاتم في الشمع ، وانخرط في الشمع ، أشباه الأخاديد « 3 » ، وإن كان نقش الخاتم احتفارا ، كان نقش الشمع ناشزا . وكل ذلك تكلف ، وفيما قدمناه غنية .

--> ( 1 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق . ( 2 ) النشاز : الشيء لا يكون في مستوى غيره . ( 3 ) الأخاديد : ( ج ) أخدود : الحفرة المستطيلة في الأرض .